ابن الجوزي

16

صيد الخاطر

في نفوسهم فلا يرتابون بصحته ، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة ، ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف ، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهال « 1 » . - 18 - وكان سرّ نجاحه في قوة بديهته ، وسرعة بادرته ، وحضور ذهنه ، ونوادر أجوبته ، مع كثرة محفوظه ، وسعة روايته . ومن أندر الأجوبة أنه وقع النزاع على عهده في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ، بين أهل السنة والشيعة ، ورضوا فيما بينهم بما يجيب به الشيخ أبو الفرج ، فأقاموا له رجلا وسط المجلس ، فسأله عن ذلك ، فقال على الفور : « أفضلهما من كانت ابنته تحته » . ونزل في الحال حتى لا يراجع . فقالت الشيعة : يريد عليا . لأن بنت النبي . صلّى اللّه عليه وسلم تحته . وقال أهل السنة : يريد أبا بكر ، لأن ابنته تحت النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال ابن خلكان : « ولو جاء هذا الجواب بعد الفكر التامّ ، وامعان النظر ، لكان في غاية الحسن ، فكيف وهو على البديهة ؟ » . ومن أجوبته أن رجلا سأله : أيهما أفضل ، أسبّح أو أستغفر ؟ فقال : الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور . وسئل عمّن أوصى وهو في النزع فقال : هذا رجل طين سطحه في كانون . ومن قوله : « شهوات الدنيا أنموذج يعرض ولا يقبض » أي أنها أنموذج للّذات في الآخرة ، يراها المرء معروضة في الدنيا ، ليختار منها ما يريد اقتناءه فيها ، يقدم ثمنها عملا صالحا يشتريها به في أسواق الجنة . وقال في حديث « أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين » : انها طالت أعمار

--> ( 1 ) أي كما يصنع المخنثون اليوم من ترجيل الشعر وتجعيده وتلميعه وتعطيره . وحمل المشط . والتشبه في ذلك بالنساء .